لا ترتبط الجرائم المالية دائمًا بالهجمات السيبرانية المعقدة أو مخططات غسل الأموال. ففي بعض الحالات، يكون مرتكبوها أفرادًا من داخل المؤسسة ممن يمتلكون صلاحية الوصول إلى الأموال وإدارتها من الأساس.
يُعد الاختلاس أحد أكثر أنواع الجرائم المالية ضررًا داخل المؤسسات، لأنه يقوم في جوهره على إساءة استغلال الثقة. وقد يؤدي هذا الاستغلال إلى خسائر مالية جسيمة وعواقب قانونية وتشغيلية خطيرة. لذلك، من الضروري أن تفهم إدارات المخاطر والامتثال ما هو الاختلاس، وكيف يختلف عن الجرائم المالية الأخرى، إلى جانب معرفة كيفية اكتشاف الاختلاس في مراحله المبكرة.
نستعرض في الأقسام التالية عددًا من سيناريوهات الاختلاس، وآثاره القانونية، إضافة إلى الإجراءات التي يمكن للمؤسسات اتخاذها للوقاية منه.
للإجابة بشكل أكثر تفصيلًا عن سؤال ما هو الاختلاس؟ لا بد أولًا من النظر إلى عنصر الثقة. يحدث الاختلاس عندما يسيء شخص استخدام أموال أو أصول سُلّمت إليه بصورة قانونية، ويستغلها لتحقيق منفعة شخصية.
أما عند التساؤل: ماذا يعني اختلاس الأموال؟ فالمقصود هو استيلاء شخص على أموال مُنح صلاحية إدارتها أو التعامل معها، من دون أن تكون ملكًا له، ثم استخدامها لمصلحته الخاصة. وفي هذه الحالة، لا يقتحم الشخص مكانًا ولا يسرق الأموال بشكل مباشر، بل يسيء استغلال الصلاحيات والثقة الممنوحة له.
وفيما يتعلق بـ الاختلاس في مجال الأعمال، فقد يرتكبه موظفون أو مديرون أو مسؤولون ماليون أو مسؤولون حكوميون لديهم صلاحية الوصول إلى الأموال أو السجلات المالية. وقد يلجأ الجاني إلى التلاعب بالتقارير أو إخفاء بعض المعاملات حتى لا يتم اكتشاف الاختلاس.
غالبًا ما تُستخدم مصطلحات الاختلاس والسرقة والاحتيال بالتبادل، إلا أن كل مصطلح منها يشير إلى نوع مختلف من المخالفات المالية.
السرقة هي الاستيلاء على ممتلكات شخص أو جهة أخرى من دون تصريح. أما الاحتيال، فيعتمد على الخداع أو تقديم معلومات مضللة لتحقيق مكاسب مالية. بينما يُعد الاختلاس أحد أشكال الاحتيال، لكنه يتميز بأن مرتكبه كان يمتلك أصلًا صلاحية قانونية للوصول إلى الأموال أو الأصول.
ويكمن الاختلاف الأساسي في أن مرتكب الاختلاس المالي لم يحصل على الأموال بطريقة غير مشروعة منذ البداية، بل كانت لديه صلاحية التعامل معها، ثم استغل هذه الصلاحية لتحقيق منفعة شخصية. ولهذا السبب، قد يكون اكتشاف الاختلاس أكثر صعوبة من اكتشاف الاحتيال الخارجي.
ومن المهم أن تتمكن المؤسسات من التمييز بين الاختلاس وغيره من أشكال الاحتيال، لأن كل نوع يتطلب وسائل مختلفة للكشف والتحقيق والوقاية.
توضح أمثلة على الاختلاس من الواقع أن هذه المخططات قد تحدث في المؤسسات بمختلف أحجامها، بدءًا من الشركات الصغيرة ووصولًا إلى الشركات متعددة الجنسيات والجهات الحكومية. وغالبًا ما يحدث الاختلاس في مكان العمل عندما يسيء أحد الأفراد استخدام صلاحياته للوصول إلى الأنظمة المالية أو الأموال أو الأصول.
وفيما يلي بعض أنواع الاختلاس الأكثر شيوعًا:
في هذا النوع من المخططات، ينشئ موظف في قسم الموارد البشرية أو الرواتب أسماء موظفين وهميين داخل نظام الرواتب، ويُشار إليهم عادة باسم «الموظفين الوهميين». بعد ذلك، تُحوّل الرواتب إلى حسابات مصرفية يسيطر عليها مرتكب المخالفة.
ونظرًا إلى أن أنظمة الرواتب تحظى عادة بثقة داخلية كبيرة، فقد يستمر هذا النوع من الاحتيال لفترة طويلة قبل اكتشافه.
يحدث مخطط الاختلاس هذا عندما ينشئ موظف في قسم المشتريات أو المالية موردًا وهميًا داخل نظام المدفوعات، ثم يعتمد فواتير مزورة ويحوّل قيمتها إلى حساب يسيطر عليه.
وتشمل العديد من أمثلة على الاختلاس في مجال الأعمال إنشاء موردين وهميين، خصوصًا أن عمليات المشتريات تتضمن عادة عددًا كبيرًا من الفواتير، ما قد يصعّب اكتشاف المعاملات غير المشروعة.
يحدث هذا النوع عندما يستولي الموظفون المسؤولون عن التعامل مع الأموال النقدية على جزء منها قبل تسجيل المعاملة في النظام.
فعلى سبيل المثال، قد يأخذ مدير متجر مبلغًا نقديًا صغيرًا بشكل يومي، وهو ما قد يصعب اكتشافه في المراحل الأولى. إلا أن هذه المبالغ قد تتراكم بمرور الوقت وتؤدي إلى خسائر كبيرة.
قد يقدم الموظفون تقارير مصروفات مزورة أو مبالغًا فيها أو غير حقيقية بالكامل. وقد يشمل ذلك تسجيل مصروفات شخصية على أنها مصروفات عمل، أو تضخيم تكاليف السفر، أو تقديم المطالبة نفسها أكثر من مرة.
تشمل أمثلة على الاختلاس في القطاع الحكومي إساءة استخدام الأموال المخصصة لمشروعات البنية التحتية أو البرامج المجتمعية أو الخدمات العامة.
وقد يقوم المسؤول عن هذه الأموال بتحويل جزء منها إلى حسابات شخصية أو استخدامها في أغراض غير مصرح بها.
في هذه الحالة، يستولي الموظفون الذين يمتلكون صلاحية الوصول إلى مخزون الشركة على بعض المنتجات أو المواد، ثم يبيعونها بصورة شخصية.
ويشيع هذا النوع من الاختلاس في قطاعات التجزئة والتصنيع والمستودعات، خصوصًا عندما لا يخضع المخزون للمراقبة المستمرة أو للجرد المنتظم.
في مخططات الاختلاس الأكثر تعقيدًا، قد يلجأ الموظفون إلى تعديل القوائم والسجلات المالية بهدف إخفاء أنشطة الاختلاس.
وقد يؤخرون تسجيل بعض المعاملات، أو يزورون البيانات المالية، أو يصنفون التحويلات غير المشروعة على أنها مصروفات تشغيلية مشروعة.
قد يستغل الموظفون الذين يمتلكون صلاحية الوصول الإلكتروني إلى الأنظمة المصرفية للشركة هذه الصلاحيات لتنفيذ تحويلات إلى حساباتهم الشخصية أو إلى حسابات جهات خارجية يسيطرون عليها.
في شركات الخدمات المهنية، مثل مكاتب المحاماة وشركات الاستشارات المالية والوكالات العقارية، قد يحوّل الموظف أموال العملاء إلى حساب شخصي قبل وصولها إلى الجهة أو الغرض المخصص لها.
قد تسيء المؤسسات التي تتلقى منحًا لأغراض البحث أو التعليم أو العمل الخيري استخدام هذه الأموال في أغراض أخرى.
كما قد يستخدم الموظفون المسؤولون عن إدارة المنح جزءًا منها لتغطية مصروفات شخصية أو لتمويل مشروعات غير معتمدة.
في المؤسسات غير الربحية، قد يستخدم موظف أو مسؤول إداري الأموال المتبرع بها لتحقيق منفعة شخصية.
ويُعد ذلك أحد أشكال الاختلاس التي قد تتعرض لها الجمعيات الخيرية، خصوصًا عندما تعتمد إجراءاتها الداخلية بصورة كبيرة على الثقة ولا تطبق ضوابط كافية على التبرعات والمصروفات.
قد يعترض بعض الموظفين في المؤسسات المالية دفعات سداد القروض التي يقدمها العملاء، ثم يحولونها إلى حسابات أخرى قبل تسجيلها في الأنظمة الرسمية.
قد يستخدم الموظفون بطاقات الائتمان التي تصدرها الشركة في عمليات شراء شخصية، ثم يسجلون هذه النفقات على أنها مصروفات عمل مشروعة.
وعندما تكون مراقبة المصروفات ضعيفة، فقد يستمر هذا النوع من الاختلاس المالي لفترات طويلة دون اكتشافه.
قد يوافق الموظف المسؤول عن اختيار الموردين على منح عقود لموردين محددين مقابل الحصول على دفعات شخصية أو عمولات سرية.
وفي هذه الحالة، تدفع الشركة أسعارًا أعلى من القيمة الفعلية، بينما يحقق الموظف منفعة مالية شخصية من الصفقة.
قد يسيء الموظفون استخدام أصول المؤسسة، مثل المعدات أو المركبات أو الأموال، لتحقيق أغراض شخصية.
ويُعد هذا من أكثر أشكال الاختلاس في مجال الأعمال شيوعًا، إذ يمكن أن يحدث في المؤسسات العاملة في جميع القطاعات تقريبًا.
يمكن تقديم مثال على الاختلاس من خلال جملة توضح الاختلاس على النحو التالي:
«حوّل مدير العمليات أموال العملاء إلى حساب خاص على مدار ثلاث سنوات، وأخفى هذه التحويلات من خلال تسجيلها على أنها مصروفات تشغيلية.»
توجد عدة أنواع من الاختلاس، وتختلف بحسب الطريقة التي تُحوّل بها الأموال أو الأصول وكيفية إخفاء المخالفة.
يتضمن أحد الأنواع الاستيلاء المباشر على الأموال النقدية قبل تسجيلها في السجلات المحاسبية. وتشمل أنواع أخرى التلاعب بالفواتير وعمليات الشراء، بينما تعتمد بعض المخططات على تزوير القوائم المالية لإخفاء الأموال المفقودة.
وتشمل أنواع الاختلاس الأخرى ما يلي:
تستغل كل طريقة من هذه الطرق أوجه الضعف في الضوابط الداخلية، إلى جانب غياب الرقابة الكافية أو عدم الفصل بين الصلاحيات والمسؤوليات المالية.
قد تعتمد كيفية اكتشاف الاختلاس مبكرًا على القدرة على ملاحظة المؤشرات السلوكية، إذ لا تظهر علامات الاختلاس دائمًا بوضوح في السجلات المالية خلال المراحل الأولى. وفي بعض الحالات، يمكن ملاحظتها أولًا من خلال تصرفات الموظفين وسلوكهم في مكان العمل.
ومن أبرز المؤشرات التحذيرية:
ويتطلب فهم كيفية اكتشاف الاختلاس الجمع بين مراقبة البيانات والمعاملات المالية والانتباه إلى الأنماط السلوكية غير المعتادة. ولا يعني ظهور مؤشر واحد بالضرورة وقوع اختلاس، إلا أن تكرار هذه العلامات أو اجتماع أكثر من مؤشر يستدعي إجراء مراجعة دقيقة.
لفهم كيف يعمل الاختلاس؟ لا بد من النظر إلى عاملين أساسيين: توفر الفرصة والقدرة على إخفاء المخالفة.
عادة ما يسير مخطط الاختلاس وفق نمط متكرر:
1. يحصل الموظف على صلاحية موثوقة للوصول إلى الأموال أو الأنظمة المالية.
2. تكون الضوابط الداخلية ضعيفة أو لا يتم الفصل بين المسؤوليات بصورة كافية.
3. يبدأ الموظف بتحويل الأموال على دفعات صغيرة لتجنب إثارة الشبهات.
4. يعدّل السجلات أو المستندات المالية لإخفاء الفروقات.
5. يصبح أسلوب الإخفاء أكثر تعقيدًا كلما استمر المخطط لفترة أطول.
ولهذا السبب، يُعد استخدام أنظمة الكشف الاستباقي والمراقبة المستمرة أمرًا ضروريًا للحد من الاختلاس المالي قبل أن تتراكم الخسائر ويصبح اكتشاف المخطط أكثر صعوبة.
يُعد الاختلاس عمومًا جريمة جنائية خطيرة، إلا أن تصنيفه باعتباره جنحة أو جناية يختلف بحسب القوانين المعمول بها في كل دولة، إلى جانب قيمة الأموال المختلسة وطبيعة الجريمة والظروف المحيطة بها.
وفي كثير من الحالات، يُصنَّف الاختلاس في مكان العمل على نطاق واسع باعتباره جناية قد تترتب عليها غرامات مالية، وإلزام الجاني بإعادة الأموال أو الأصول المختلسة، إضافة إلى عقوبة السجن.
أما بالنسبة إلى المؤسسات المالية، فقد يؤدي التعامل مع أموال يُشتبه في ارتباطها بجرائم الاختلاس المالي إلى إثارة مخاطر تتعلق بمكافحة غسل الأموال، لا سيما إذا جرى تحويل العائدات أو إخفاء مصدرها من خلال النظام المالي.
تتطلب الوقاية من الاختلاس وجود هيكل حوكمة واضح، ورقابة فعالة، وتقنيات قادرة على مراقبة الأنشطة المالية. وتساعد الضوابط الداخلية القوية على الحد من المخالفات من خلال تقليل الفرص التي تسمح بوقوعها.
وتشمل أبرز التدابير الوقائية:
ولا ينبغي أن تقتصر استراتيجيات الوقاية على تعزيز الضوابط الداخلية فقط، بل يجب أن تشمل أيضًا مراقبة الأنماط المالية المشبوهة التي قد تكشف مبكرًا عن علامات الاختلاس.
على الرغم من أن الاختلاس في مجال الأعمال يبدأ غالبًا من داخل المؤسسة، فإن على الشركات والمؤسسات المالية أيضًا حماية نفسها من المخاطر الخارجية. فقد يكون بعض العملاء أو الأطراف المقابلة مرتبطين بقضايا سابقة تتعلق بالاختلاس أو بإساءة استخدام الأموال.
تُعزز FOCAL قدرات الكشف من خلال:
وعند ارتباط أحد العملاء بحالة أو مثال على الاختلاس معروف، تتلقى فرق الامتثال تنبيهات تساعدها على بدء التحقيق بسرعة واتخاذ الإجراءات المناسبة.
ومن خلال الجمع بين فحص العملاء، ومراقبة المعاملات، وتحليل المخاطر، تساعد FOCAL المؤسسات على تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال والحد من التعرض للمخاطر المرتبطة بالاختلاس.
تزداد احتمالية وقوع الاختلاس عندما تُمنح الثقة من دون رقابة أو مراجعة فعالة. وسواء كان الحديث عن أنواع الاختلاس، أو استعراض أمثلة على الاختلاس، أو البحث عن علامات الاختلاس المبكرة، فمن الواضح أن الوقاية تمثل خط الدفاع الأساسي.
وتكون المؤسسات التي تجمع بين الحوكمة الفعالة، والوعي بسلوك الموظفين، وأدوات المراقبة الذكية أكثر قدرة على حماية أصولها وأعمالها من مخاطر الاختلاس.
نعم. في الواقع، قد تكون الشركات الصغيرة أكثر عرضة للاختلاس بسبب ضعف الضوابط الداخلية، وعدم الفصل بشكل كافٍ بين المهام والصلاحيات المالية.
قد يستمر مخطط الاختلاس لفترة طويلة قبل اكتشافه، وفي بعض الحالات قد يمتد لعدة سنوات، خاصة عند غياب التدقيق المنتظم أو ضعف أنظمة المراقبة.
نعم. لا يقتصر الاختلاس في مكان العمل على الموظفين ذوي المناصب الدنيا، إذ يمكن للمديرين والمسؤولين التنفيذيين أيضًا ارتكابه إذا أساؤوا استخدام صلاحياتهم في الوصول إلى الأموال أو الأصول.
لا. يمكن أن يشمل الاختلاس الأصول، والمخزون، وممتلكات الشركة الأخرى، إلى جانب الأموال الرقمية والبيانات والسجلات المالية.